ألا ما لعينك مطروفة
بذكر الخيال الذي زارَها
لذكر خيال سرى مَوْهنًا
فهاج على العين عُوَّارَها
تجاوز نحويَ هول النُّجود
وسهل البلاد وأوعارها
فبت به جذِلاً ليلتي
إلى أن تبيَّنتُ أسحارها
فلما انتبهت وجدت الخيال
أماني نفس وتذكارها
وفاض من العين مُغْرَوْرِقٌ
من الدمع ألْثَقَ أشفارها
لذكر التي دون أبياتها
تَنَائفُ تقطع مُزدارها
وساجٍ من البحر مغرورق
يُنَهْنِهُ دونِيَ أخبارها
نَزُورُ الكلامِ ، قطيع القيا
م ، لم يُظلم الهمُّ أسهارها
ولم تَشْتُ في صَرْمة بالغضا
ولا الحزنِ تنظر مَيَّارها
كأن سُخاميةً عُتِّقتْ
ثلاثين حولا وأعصارها
لقيصر لم يُغلها طابخ
ولم يُتعب الوطءُ عصارها
فأصفى بعَقْوته نفسَه
ولم يدْعُ للبيت تُجَّارها
- يُعَلُّ بها بَرْدُ أنيابها
إذا انتابت الطيرُ أوكارها
فياليتها ساعفت بالوصو
ل وقتًا وحُمِّلتُ أوزارها
وكَفِّي لها الرهنُ ألا أخون
وأن لا أضيِّع أسرارها
متى ما أنل ودَّها صافيًا
فقد قضَّت النفس أوطارها
وكنا ونحن لها جيرةٌ
يطول تجنبنا دارها
حياء على أنني أُستَجَنُّ
عليها وأغبط زوارها
إذا أنا أبثثتها حاجة
أطال فؤاديَ إضمارها
أرتني مخايل يعجبْنَني
لغيري تُنزل أمطارها
فيا ليت شعري هل أبصرنّ
بوادي العقيقين حُضَّارها ؟
وهل أشهدنّ بتلك الهضا
ب سَحْب الذيول وتجرارها
وعاذلةٍ باكرتْني تلوم
وتفري من الغيظ أطمارها
تخاف عليَّ اجتياب البلاد
ورميي بنفسيَ أقطارها
فقلت لتعلم ما نيتي
وأن لست أحفل إكثارها :
أعاذلَ مهلاً فقِدْمًا عصيتُ
مقال النساء وتأمارها
دعيني فلا أنا أرجو الخلود
ولا النفس تسبق مقدارها
وليس القعود بمنجي النفوس
بل الله يكتب إنشارها
وأرضٍ قطعت بلا صاحب
إذا الآلُ ألبس أطرارها
لهوت ببيض حسان الوجو
ه ، لم يلِجِ الضِّحُّ أبشارها
كمثل الجآذر يُلهينني
وأدعو إلى اللهو أبكارها
وخيلٍ هَدَيتُ ، وخيل حَمَيْتُ
إذا هي لم تحم أدبارها
وما زلت منذ فهمت الشؤون
ونقض الأمور وإمرارها
لِزَاز خصوم إذا أجلبوا
أكفكف بالصمت مهذارها
وكشّافَ هول وركَّابه
وحلاّلَ بيدٍ وسيَّارها
عقرت لهم عند إرمالهم
قَلوصي ولم أدع أيسارها
ولم أك إذ خفت إرمالهم
كمن يكْسَعُ الشَّوْلَ أغبارها
فهذا بلائي ، وإني امرؤ
حلبت المعيشةَ أشطارَها
وكنت إذا ما أردت القريض
تخبِّرني الجنُّ أشعارها
أَرُوض صعاب قوافي القريـ
ـض حتى تَذِلَّ فأختارها
قواف يُوَرِّدها صاحبي
إلي وأكفيه إصدارها
* * *
قال صعودا : فوالله لقد جَهَدنا كل به الْجَهْد أن يعرِّفنا من قائل هذا الشعر ، فلم يفعل . فلما حضرته الوفاة كتب وصيته ، فقلت له : ما لتلك القصيدة في قلبي حلاوة حتى أعرف قائلها ! فإن رأيت أن تعرفني من قالها ؟ فضحك لي وقال : قد كنت أتوهَّمك موضعا للوصية ، وأما الآن فما أرى لك عقلا ، انبِذْ إليَّ كتاب الوصية ! أتُراني كنت في حال من الأحوال أسوأ أخلاقًا مني وأنا أستبين الموت في حركاتي ؟ والله لا عرفتَ قائلها مني أبدًا ! هات الوصية وقم ! فأخذها مني ، وانصرفت ، ومات في آخر يومه !